تفسير سورة الفاتحة ابن كثير [5]

السابق : تفسير سورة الفاتحة ابن كثير [4]

** اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ 
قراءة الجمهور بالصاد وقرى السراط وقرى بالزاي, قال الفراء: وهي لغة بني عذرة وبني كلب لما تقدم الثناء على المسؤول تبارك وتعالى ناسب أن يعقب بالسؤال كما قال: «فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل» وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله ثم يسأل حاجته وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: {اهدنا الصراط المستقيم} لأنه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة, ولهذا أرشد الله إليه لأنه الأكمل وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه كما قال موسى عليه السلام {رب إنّي لما أنزلت إلي من خير فقير} وقد تقدمه مع ذلك وصف مسؤول كقول ذي النون {لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول كقول الشاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوماًكفاه من تعرضه الثناء
والهداية ههنا والإرشاد والتوفيق, وقد تعدى الهداية بنفسها كما هنا {اهدنا الصراط المستقيم} فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا أو ارزقنا أو أعطنا {وهديناه النجدين} أي بينا له الخير والشر, وقد تعدى بإلى كقوله تعالى: {اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم} {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة وكذلك قوله {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} وقد تعدى باللام كقول أهل الجنة {الحمد لله الذي هدانا لهذ} أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلاً.
وأما الصراط المستقيم فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعاً على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه وذلك في لغة العرب فمن ذلك قال جرير بن عطية الخطفي:
أمير المؤمنين على صراطإذا اعوج الموارد مستقيم) قال والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر, قال ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل ووصف باستقامة أو اعوجاج فتصف المستقيم باستقامته والمعوج باعوجاجه. ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط, وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد وهو المتابعة لله وللرسول, فروي أنه كتاب الله, قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة حدثني يحيى بن يمان عن حمزة الزيات عن سعيد وهو ابن المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الصراط المستقيم كتاب الله» وكذلك رواه ابن جرير من حديث حمزة بن حبيب الزيات وقد تقدم في فضائل القرآن فيما رواه أحمد والترمذي من رواية الحارث الأعور عن علي مرفوعاً «وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم» وقد روي موقوفاً على علي رضي الله عنه وهو أشبه والله أعلم: وقال الثوري عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال الصراط المستقيم كتاب الله, وقيل هو الإسلام, قال الضحاك عن ابن عباس قال: قال جبريل لمحمد عليهما السلام «قل يا محمد اهدنا الصراط المستقيم» يقول ألهمنا الطريق الهادي وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه, وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} قال ذاك الإسلام, وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اهدنا الصراط المستقيم قالوا هو الإسلام, وقال عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر اهدنا الصراط المستقيم قال هو الإسلام أوسع مما بين السماء والأرض وقال ابن الحنفية في قوله تعالى {اهدنا الصراط المستقيم} قال هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم اهدنا الصراط المستقيم قال هو الإسلام وفي هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء حدثنا ليث يعني ابن سعد عن معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول ياأيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا, وداعٍ يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه ـ فإنك إن فتحته تلجه ـ فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد به, ورواه الترمذي والنسائي جميعاً عن علي بن حجر عن بقية عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان به, وهو إسناد حسن صحيح والله أعلم. وقال مجاهد اهدنا الصراط لمستقيم قال: الحق وهذا أشمل ولا منافاة بينه وبين ما تقدم, وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم حدثنا حمزة بن المغيرة عن عاصم الأحول عن أبي العالي {اهدنا الصراط المستقيم} قال هو النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده. قال عاصم فذكرنا ذلك للحسن فقال صدق أبو العالية ونصح. وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة فإن من اتبع الإسلام فقد اتبع النبي صلى الله عليه وسلم واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر فقد اتبع الحق ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن وهو كتاب الله وحبله المتين وصراطه المستقيم, فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضاً, و لله الحمد. وقال الطبراني حدثنا محمد بن الفضل السقطي حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: والذي هو أولى بتأويل هذه الاَية عندي أعني ـ اهدنا الصراط المستقيم ـ أن يكون معنياً به وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل ذلك هو الصراط المسقيم لأن من وفق لما وفق له مَن أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقد وفق للإسلام وتصديق الرسل والتمسك بالكتاب والعمل بما أمره الله به والانزجار عما زجره عنه واتباع منهاج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهاج الخلفاء الأربعة, وكل عبد صالح وكل ذلك من الصراط المستقيم. (فإن قيل) فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها وهو متصف بذلك ؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا ؟ فالجواب أن لا, ولولا احتياجه ليلاً ونهاراً إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها فإن العبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق, فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله فإنه قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار, وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمِنوا با لله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل} الاَية: فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك والله أعلم. وقال تعالى آمراً لعباده المؤمنين أن يقولوا: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب} وقد كان الصديق رضي الله عنه يقرأ بهذه الاَية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سراً, فمعنى قوله تعالى {اهدنا الصراط المستقيم} استمر بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره.

** صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضّآلّينَ 
وقد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد {اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخرها أن الله يقول «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» وقوله تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم} مفسر للصراط المستقيم وهو بدل منه عند النحاة ويجوز أن يكون عطف بيان والله أعلم. والذين أنعم الله عليهم المذكرون في سورة النساء حيث قال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النّبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً * ذلك الفضل من الله وكفى با لله عليم} وقال الضحاك عن ابن عباس: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين. وذلك نظير ما قال ربنا تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} الاَية. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس {صراط الذين أنعمت عليهم} قال هم النبيّون وقال ابن جريج عن ابن عباس: هم المؤمنون, وكذا قال مجاهد وقال وكيع: هم المسلمون وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه والتفسير المتقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما أعم وأشمل والله أعلم.
وقوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قرأ الجمهور غير بالجر على النعت, قال الزمخشري: وقرى بالنصب على الحال, وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب, ورويت عن ابن كثير وذو الحال الضمير في عليهم والعامل أنعمت والمعنى اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم وهم أهل الهداية والاستقامة والطاعة لله ورسله وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره غير صراط المغضوب عليهم وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق. وأكد الكلام بلا ليدل على أن ثَمّ مسلكين فاسدين وهما طريقة اليهود والنصارى, وقد زعم بعض النحاة أن غير ههنا استثنائية فيكون على هذا منقطعاً لاستثنائهم من المنعم عليهم وليسوا منهم وما أوردناه أولى لقول الشاعر:
كأنك من جمال بني أقيشيقعقع عند رجليه بشن
أي كأنك جمل من جمال بني أقيش فحذف الموصوف واكتفى بالصفة وهكذا غير المغضوب عليهم أي إلى صراط المغضوب عليم اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف, وقد دل سياق الكلام وهو قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم} ثم قال تعالى: {غير المغضوب عليهم} ومنهم من زعم أن لا في قوله تعالى {ولا الضالين} زائدة وأن تقدير الكلام عنده غير المغضوب عليهم والضالين واستشهد ببيت العجاج:
في بئر لا حورسرى وما شعر
أي في بئرحور, والصحيح ما قدمناه, ولهذا روى أبو القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقرأ غير المغضوب عليهم وغير الضالين وهذا الإسناد صحيح, وكذلك حكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك, وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير, فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء لتأكيد النفي لئلا يتوهم أنه معطوف على الذين أنعمت عليهم وللفرق بين الطريقتين ليتجنب كل واحد فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به واليهود فقدوا العمل والنصارى فقدوا العلم ولهذا الغضب لليهود والضلال للنصارى, لأن من علم وترك استحق الغضب خلاف من لم يعلم, والنصارى لما كانوا قاصدين شيئاً لكنهم لا يهتدون إلى طريقه لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه, وهو اتباع الحق, ضلوا, وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه, لكن أخص أوصاف اليهود الغضب كما قال تعالى عنهم {من لعنه الله وغضب عليه} وأخص أوصاف النصارى الضلال كما قال تعالى عنهم {قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل} وبهذا جاءت الأحاديث والاَثار وذلك واضح بين فيما قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت سماك بن حرب يقول سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم, قال جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا عمتي وناساً فلما أتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوا له فقالت يا رسول الله: نأى الوافد وانقطع الولد وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فمنّ علي منّ الله عليك, قال «من وافدك ؟» قالت عدي بن حاتم, قال «الذي فر من الله ورسوله» قالت فمنّ علي, فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه علي ؟ قال: سليه حملاناً فسألته فأمر لها, قال فأتتني فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان, وذكر قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم قال فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر, فقال «يا عدي ما أفرك ؟ أن يقال لا إله إلا الله ؟ فهل من إله إلا الله ما أفرك أن يقال الله أكبر فهل شيء أكبر من الله عز وجل ؟» قال فأسلمت, فرأيت وجهه استبشر وقال: «إن المغضوب عليهم اليهود وإن الضالين النصارى», وذكر الحديث ورواه الترمذي من حديث سماك بن حرب, وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه (قلت) وقد رواه حماد بن سلمة عن مَرّيّ بن قَطَريّ عن عدي بن حاتم قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى {غير المغضوب عليهم} قال: هم اليهود {ولاالضالين} قال النصارى هم الضالون وهكذا رواه سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم به, وقد روي حديث عدي هذا من طرق وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها وقال عبد الرزاق: وأخبرنا معمر عن بديل العقيلي أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى على فرسه وسأله رجل من بني القين فقال يا رسول الله من هؤلاء ؟ قال المغضوب عليهم وأشار إلى اليهود والضالون هم النصارى, وقد رواه الجريري وعروة وخالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق فأرسلوه ولم يذكروا من سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ووقع في رواية عروة تسمية عبد الله بن عمرو فا لله أعلم, وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المغضوب عليهم قال اليهود, قلت: الضالين قال: النصارى, وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود, وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: غير المغضوب عليهم وهم اليهود ولا الضالين هم النصارى, وقال الضحاك وابن جريج عن ابن عباس: غير المغضوب عليهم هم اليهود ولا الضالين النصارى, وكذلك قال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد, وقال ابن أبي حاتم ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافاً وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون, الحديث المتقدم, وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في سورة البقرة {بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين} وقال في المائدة {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل} وقال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} وفي السيرة عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف قالت له اليهود: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله, فقال: أنا من غضب الله أفر, وقالت له النصارى إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله, فقال لا أستطيعه فاستمر على فطرته وجانب عبادة الأوثان ودين المشركين ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى, وأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين النصرانية لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذك, وكان منهم ورقة بن نوفل حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن بما وجد من الوحي رضي الله عنه.

 

أكمل القراءة هنا ..تفسير سورة الفاتحة ابن كثير [6]