تفسير سورة الكافرون النصر والمسد ابن كثير

( سورة قل يا أيها الكافرون )  

الآيات ( 109 1 6 ) 
مقدمة تفسير سورة قل يا أيها الكافرون بسم الله الرحمن الرحيم سورة قل يا أيها الكافرون وهي مكية 
فضائل سورة قل يا أيها الكافرون 
ثبت في صحيح مسلم 1218 عن جابر أن رسول الله قرا بهذه السورة وب ( قل هو الله أحد ) في ركعتي الطواف وفي صحيح مسلم 726 من حديث أبي هريرة أن رسول الله قرأ بهما في ركعتي الفجر وقال الإمام أحمد 224 حدثنا وكيع حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مجاهد عن بن عمر أن رسول الله قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب بضعا وعشرين مرة أو بضع عشرة مرة ( قل يا أيها الكافرون ) و ( قل هو الله أحد ) وقال أحمد أيضا 299 حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مجاهد عن بن عمر قال رمقت
النبي أربعا وعشرين أو خمسا وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب ب ( قل يا أيها الكافرون ) و ( قل هو الله أحد ) وقال أحمد حدثنا أبو أحمد هو محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري حدثنا سفيان هو الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد عن بن عمر قال رمقت النبي شهرا وكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر ب ( قل يا أيها الكافرون ) و ( قل هو الله أحد ) وكذا رواه الترمذي 417 وبن ماجة 1149 من حديث أبي أحمد الزبيري وأخرجه النسائي 2170 من وجه آخر عن أبي إسحاق به وقال الترمذي هذا حديث حسن وقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن وقال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق عن فروة بن نوفل هو بن معاوية عن أبيه أن رسول الله قال له هل لك في ربيبة لنا تكفلها قال أراها زينب قال ثم جاء فسأله النبي عنها قال ما فعلت الجارية قال تركتها عند أمها قال فمجيء ماجاء بك قال جئت لتعلمني شيئا أقوله عند منامي قال اقرأ ( قل يا أيها الكافرون ) ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك تفرد به أحمد وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا أحمد بن عمرو القطراني حدثنا محمد بن الطفيل حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن جبلة بن حارثة وهو أخو زيد بن حارثة أن النبي قال إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ( قل يا أيها الكافرون ) حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك وروى الطبراني من طريق شريك عن جابر عن معقل الزبيدي عن عبد الرحمن بن زيد أن رسول الله كان إذا أخذ مضجعه قرأ ( قل يا أيها الكافرون ) حتى يختمها وقال الإمام أحمد حدثنا حجاج حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل عن الحارث بن جبلة قال قلت يا رسول الله علمني شيئا أقوله عند منامي قال إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ قل يا أيها الكافرون فإنها براءة من الشرك والله أعلم بسم الله الرحمن الرحيم 
هذه السورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون وهي آمرة بالإخلاص فيه فقوله تعالى ( قل يا أيها الكافرون ) يشمل كل كافر على وجه الأرض ولكن المواجهون بهذا الخطاب هم كفار قريش وقيل أنهم من جهلهم دعوا رسول الله إلى عبادة أوثانهم سنة ويعبدون معبوده سنة فأنزل الله هذه السورة وأمر رسوله فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال ( لا أعبد ما تعبدون ) يعني من الأصنام والأنداد ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) وهو الله وحده لاشريك له ف ما ها هنا بمعنى من ثم قال ( ولا انا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد ) أي ولا أعبد عبادتكم أي لا أسلكها ولا أقتدي بها وإنما اعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه ولهذا قال ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) أي لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته بل قد اخترعتم شيئا من تلقاء أنفسكم كما قال ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) فتبرأ منهم في جميع ماهم فيه فإن العابد لابد له من معبود يعبده وعبادة يسلكها إليه فالرسول وأتباعه يعبدون الله بما شرعه ولهذا كان كلمة الإسلام لاإله إلا الله محمد رسول الله أي لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا ما جاء به الرسول والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله ولهذا قال لهم الرسول ( لكم دينكم ولي دين ) كما قال تعالى ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ) وقال ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) وقال البخاري يقال ( لكم دينكم ) الكفر ( ولي دين ) الإسلام ولم يقل ديني لأن الآيات بالنون فحذف الياء كما قال ( فهو يهدين ) و ( يشفين ) وقال غيره لا أعبد ما تعبدون الآن ولا أجيبكم فيما بقي من عمري ولا أنتم عابدون ما أعبد وهم الذين قال ( وليزيدن
كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) انتهى ما ذكره ونقل بن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التأكيد كقوله ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) وكقوله ( لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ) وحكاه بعضهم كابن الجوزي وغيره عن بن قتيبة فالله أعلم فهذه ثلاثة اقوال أولها ما ذكرناه أولا الثاني ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد ( لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ) في الماضي ( ولا أنا عابد ما عبدتم ولا انتم عابدون ما أعبد ) في المستقبل الثالث أن ذلك تاكيد محض وثم قول رابع نصره أبو العباس بن تيمية في بعض كتبه وهو أن المراد بقوله ( لا أعبد ما تعبدون ) نفي الفعل لآنها جملة فعلية ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) نفى قبوله لذلك بالكلية لأن النفي بالجملة الإسمية آكد فكأنه نفى الفعل وكونه قابلا لذلك ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضا وهو قول حسن أيضا والله أعلم وقد استدل الإمام أبو عبد الله الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة ( لكم دينكم ولي دين ) على أن الكفر كله ملة واحدة فورث اليهود من النصارى وبالعكس إذا كان بينهما نسب أو سبب يتوارث به لأن الأديان ماعدا الإسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان وذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله لا يتوارث أهل ملتين شتى 

( سورة إذا جاء نصر الله والفتح ) 

الآيات ( 110 1 3 ) 
مقدمة تفسير سورة إذا جاء نصر الله والفتح بسم الله الرحمن الرحيم سورة إذا جاء نصر الله والفتح وهي مدنية قد تقدم أنها تعدل ربع القرآن وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن وقال النسائي أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا جعفر عن أبي العميس ح وأخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا جعفر بن عون حدثنا أبو العميس عن عبد المجيد بن سهيل عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال قال لي بن عباس يا بن عتبة أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت قلت نعم إذا جاء نصر الله والفتح قال صدقت وروى الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة البريدي عن صدقة بن يسار عن بن عمر قال أنزلت هذه السورة ( إذا جاء نصر الله والفتح ) على رسول الله أوسط أيام التشريق فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت ثم قام فخطب الناس فذكر خطبته المشهورة وقال الحافظ البيهقي أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا الأسقاطي حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد بن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عن بن عباس قال لما نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) دعا رسول الله فاطمة وقال إنه قد نعيت إلي نفسي فبكت ثم ضحكت وقالت أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت ثم قال اصبري فإنك أول أهلي لحاقا بي فضحكت وقد رواه النسائي 11712 كما سيأتي بدون ذكر 
فاطمة بسم الله الرحمن الرحيم قال البخاري 4970 حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله فقال عمر إنه ممن قد علمتم فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم فقال ما تقولون في قول الله عز وجل ( إذا جاء نصر الله والفتح ) فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم فلم يقل شيئا فقال لي أكذلك تقول يا بن عباس فقلت لا فقال ما تقول فقلت هو أجل رسول الله أعلمه له قال ( إذا جاء نصر الله والفتح ) فذلك علامة أجلك ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) فقال عمر بن الخطاب لا أعلم منها إلا ما تقول تفرد به البخاري وروى بن جرير عن محمد بن حميد عن مهران عن الثوري عن عاصم
عن أبي رزين عن بن عباس فذكر مثل هذه القصة أو نحوها وقال الإمام أحمد 1217 حدثنا محمد بن فضيل حدثنا عطاء عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال لما نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) قال رسول الله نعيت إلي نفسي فإنه مقبوض في تلك السنة تفرد به أحمد وروى العوفي عن بن عباس مثله وهكذا قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد أنها أجل رسول الله نعي إليه وقال بن جرير حدثني إسماعيل بن موسى حدثنا الحسن بن عيسى الحنفي عن معمر عن الزهري عن أبي حازم عن بن عباس قال بينما رسول الله في المدينة إذ قال الله اكبر الله أكبر جاء نصر الله والفتح جاء أهل اليمن قيل يا رسول الله وما اهل اليمن قال قوم رقيقة قلوبهم لينة طباعهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية ثم رواه بن عبد الأعلى عن بن ثور عن معمر عن عكرمة مرسلا وقال الطبراني حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا أبو كامل الجحدري حدثنا أبو عوانة عن هلال بن خباب عن عكرمة عن بن عباس قال لما نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) حتى ختم السورة قال نعيت لرسول الله نفسه حين نزلت قال فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا في أمر الآخرة وقال رسول الله بعد ذلك جاء الفتح ونصر الله وجاء أهل اليمن فقال رجل يا رسول الله وما أهل اليمن قال قوم رقيقة قلوبهم لينة طباعهم الإيمان يمان والفقه يمان وقال الإمام أحمد 1344 حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي رزين عن بن عباس قال لما نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) علم النبي أن قد نعيت إليه نفسه فقيل إذا جاء نصر الله والفتح السورة كلها حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي رزين أن عمر سأل بن عباس عن هذه الآية ( إذا جاء نصر الله والفتح ) قال لما نزلت نعيت إلى رسول الله نفسه 1356 وقال الطبراني 1010736 حدثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي حدثنا أبي حدثنا جعفر بن عون عن أبي العميس عن أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن بن عباس قال آخر سورة نزلت من القرآن جميعا ( إذا جاء نصر الله والفتح ) وقال الإمام أحمد أيضا 322 حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي عن أبي سعيد الخدري أنه قال لما نزلت هذه السورة ( إذا جاء نصر الله والفتح ) قرأها رسول الله حتى ختمها فقال الناس حيز وأنا وأصحابي حيز وقال لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية فقال له مروان كذبت وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير فقال أبو سعيد لو شاء هذان لحدثاك ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة فرفع مروان عليه الدرة ليضربه فلما رأيا ذلك قالا صدق تفرد به أحمد وهذا الذي أنكره مروان على أبي سعيد ليس بمنكر فقد ثبت من رواية بن عباس أن رسول الله قال يوم الفتح لا هجرة ولكن جهاد ونية ولكن إذا استنفرتم فانفروا أخرجه البخاري 2783 ومسلم 1353 في صحيحيهما فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر رضي الله عنهم أجمعين من أنه قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون أن نحمد الله ونشكره ونسبحه يعني نصلي له ونستغفره معنى مليح صحيح وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات فقال قائلون هي صلاة الضحى وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها فكيف صلاها ذلك اليوم وقد كان مسافرا لم ينو الإقامة بمكة ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبا من تسعة عشر يوما يقصر الصلاة ويفطر هو وجميع الجيش وكانوا نحوا من عشرة آلاف قال هؤلاء وإنما كانت صلاة الفتح قالوا فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن ثم قال بعضهم يصليها كلها بتسليمة واحدة والصحيح أنه يسلم من كل ركعتين كما ورد في سنن أبي داود 1229 أن رسول الله كان يسلم يوم الفتح من كل ركعتين وأما ما فسر به بن عباس وعمر رضي الله تعالى عنهما من أن هذه السورة نعي فيها إلى رسول الله روحه الكريمة وأعلم أنك إذا فتحت مكة وهي قريتك التي أخرجتك ودخل الناس في دين الله أفواجا فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا فتهيأ للقدوم علينا والوفود إلينا فالآخرة خير لك من الدنيا ولسوف يعطيك ربك فترضى ولهذا قال ( فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان 
توابا ) قال النسائي أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا محمد بن محبوب حدثنا أبو عوانة عن هلال بن خباب عن عكرمة عن بن عباس قال لما نزلت ( إذا جاء نصر الله والفتح ) إلى آخر السورة قال نعيت لرسول الله نفسه حين أنزلت فأخذ في أشد ما كان اجتهادا في أمر الآخرة وقال رسول الله بعد ذلك جاء الفتح وجاء نصر الله وجاء أهل اليمن فقال رجل يا رسول الله وما أهل اليمن قال قوم رقيقة قلوبهم لينة قلوبهم الإيمان يمان والحكمة يمانية والفقه يمان وقال البخاري 4968 حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة قالت كان رسول الله يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث منصور به وقال الإمام أحمد 635 حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن الشعبي عن مسروق قال قالت عائشة كان رسول الله يكثر في آخر أمره من قول سبحان الله وبحمده استغفر الله وأتوب إليه وقال إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده واستغفره إنه كان توابا فقد رأيتها ( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) ورواه مسلم 484 من طريق داود بن أبي هند به وقال بن جرير حدثنا أبو السائب حدثنا حفص حدثنا عاصم عن الشعبي عن أم سلمة قالت كان رسول الله في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال سبحان الله وبحمده فقلت يا رسول الله رأيتك تكثر من سبحان الله وبحمده لا تذهب ولا تجيء ولا تقوم ولا تقعد إلا قلت سبحان الله وبحمده قال إني أمرت بها فقال ( إذا جاء نصر الله والفتح ) إلى آخر السورة غريب وقد كتبنا حديث كفارة المجلس من جميع طرقه وألفاظه في جزء مفرد فيكتب ها هنا وقال الإمام أحمد 1388 حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال لما نزلت على رسول الله ( إذا جاء نصر الله والفتح ) كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم ثلاثا تفرد به أحمد ورواه بن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن مرة عن شعبة عن أبي إسحاق به والمراد بالفتح ها هنا فتح مكة قولا واحدا فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون إن ظهر على قومه فهو نبي فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجا فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانا ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام ولله الحمد والمنة وقد روى البخاري في صحيحه 4302 عن عمرو بن سلمة قال لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي الحديث وقد حررنا غزوة الفتح في كتابنا السيرة فمن أراده فليراجعه هنالك ولله الحمد والمنة وقال الإمام أحمد 3343 حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا أبو إسحاق عن الأوزاعي حدثني أبو عمار حدثني جار لجابر بن عبد الله قال قدمت من سفر فجاءني جابر بن عبد الله فسلم علي فجعلت أحدثه عن افتراق الناس وما أحدثوا فجعل جابر يبكي ثم قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إن الناس دخلوا في دين الله افواجا وسيخرجون منه أفواجا آخر تفسير 

( سورة تبت ) 

الآيات ( 111 1 5 ) 
قال البخاري 4972 حدثنا محمد بن سلام حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن بن عباس أن النبي خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى ياصباحاه فاجتمعت إليه قريش فقال أرأيتم إن
حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أكنتم تصدقوني قالوا نعم قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب ألهذا جمعتنا تبا لك فأنزل الله ( تبت يدا أبي لهب وتب ) إلى آخرها وفي رواية فقام ينفض يديه وهو يقول تبالك سائر اليوم ألهذا جمعتنا فأنزل الله ( تبت يدا أبي لهب وتب ) الأول دعاء عليه والثاني خبر عنه فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله واسمه عبد العزى بن عبد المطلب وكنيته أبو عتيبة وإنما سمي أبا لهب لإشراق وجهه وكان كثير الأذية لرسول الله والبغضة له والازدراء به والتنقص له ولدينه قال الإمام أحمد 4341 حدثنا إبراهيم بن أبي العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال أخبرني رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الديل وكان جاهليا فأسلم قال رأيت النبي في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا والناس مجتمعون عليه ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول إنه صابىء كاذب يتبعه حيث ذهب فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب ثم رواه 4341 عن شريح عن أبي الزناد عن أبيه فذكره قال أبو الزناد قلت لربيعة كنت يومئذ صغيرا قال لا والله إني يومئذ لأعقل أني أزفر القربة تفرد به أحمد وقال محمد بن إسحاق حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال سمعت ربيعة بن عباد الديلي يقول إني لمع أبي رجل شاب أنظر إلى رسول الله يتبع القبائل ووراءه رجل أحول وضيء الوجه ذو جمة يقف رسول الله على القبيلة فيقول يا بني فلان إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفذ عن الله مابعثني به وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه يابني فلان هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلاتسمعوا له ولا تتبعوه فقلت لأبي من هذا قال عمه أبو لهب رواه أحمد أيضا 3492 والطبراني بهذا اللفظ فقوله تعالى ( تبت يدا أبي لهب ) أي خسر وخاب وضل عمله وسعيه ( وتب ) أي وقد تب تحقق خسارته وهلاكه وقوله تعالى ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) قال بن عباس وغيره ( وما كسب ) يعني ولده وروي عن عائشة ومجاهد وعطاء والحسن وبن سيرين مثله وذكر عن بن مسعود أن رسول الله لما دعا قومه إلى الإيمان قال أبو لهب إن كان ما يقول بن أخي حقا فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي فأنزل الله تعالى ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) وقوله تعالى ( سيصلى نارا ذات لهب ) أي ذات لهب وشرر وإحراق شديد ( وامرأته حمالة الحطب ) وكانت زوجته من سادات نساء قريش وهي أم جميل واسمها أروى بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان وكانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده فلهذا تكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم ولهذا قال تعالى ( حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ) يعني تحمل الحطب فتلقى على زوجها ليزداد على ماهو فيه وهي مهيأة لذلك مستعدة له ( في جيدها حبل من مسد ) قال مجاهد وعروة من مسد النار وعن مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والثوري والسدي حمالة الحطب كانت تمشي بالنميمة واختاره بن جرير وقال العوفي عن بن عباس وعطية الجدلي والضحاك وبن زيد كانت تضع الشوك في طريق رسول الله قال بن جرير كانت تعير النبي بالفقر وكانت تحتطب فعيرت بذلك كذا حكاه ولم يعزه إلى أحد والصحيح الأول والله أعلم قال سعيد بن المسيب كانت لها قلادة فاخرة فقالت لأنفقنها في عداوة محمد يعني فأعقبها الله منها حبلا في جيدها من مسد النار وقال بن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن سليم مولى الشعبي عن الشعبي قال المسد الليف وقال عروة بن الزبير المسد سلسلة ذرعها سبعون ذراعا وعن الثوري هو قلادة من نار طولها سبعون ذراعا وقال الجوهري المسد الليف والمسد أيضا حبل من ليف أو خوص وقد يكون من جلود الإبل أو أوبارها ومسدت الحبل أمسده مسدا إذا أجدت فتله وقال مجاهد ( في جيدها حبل من مسد ) أي طوق من حديد ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسدا وقال بن أبي حاتم حدثنا أبي وأبو زرعة قالا حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الوليد بن كثير عن أبي بدرس عن أسماء بنت أبي بكر قالت لما نزلت ( تبت يدا أبي لهب ) اقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وفي يدها فهر
وهي تقول 
مذمما أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا 
ورسول الله جالس في المسجد ومعه أبو بكر فلما رآها أبو بكر قال يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك فقال رسول الله إنها لن تراني وقرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله فقالت يا أبا بكر إني اخبرت ان صاحبك هجاني قال لا ورب هذا البيت ما هجاك فولت وهي تقول قد علمت قريش أني ابنة سيدها قال وقال الوليد في حديثه أو غيره فعثرت أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت فقالت تعس مذمم فقالت أم حكيم بنت عبد المطلب إني لحصان فما أكلم وثقاف فما أعلم وكلتانا من بني العم وقريش بعد أعلم وقال الحافظ أبو بكر البزار 2294 حدثنا إبراهيم بن سعيد وأحمد بن إسحاق قالا حدثنا أبو أحمد حدثنا عبد السلام بن حرب عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال لما نزلت ( تبت يدا أبي لهب ) جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله جالس ومعه أبو بكر فقال له أبو بكر لو تنحيت لا تؤذيك بشيء فقال رسول الله إنه سيحال بيني وبينها فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر فقالت يا أبا بكر هجانا صاحبك فقال أبو بكر لا ورب هذه البنية ما ينطق بالشعر ولايتفوه به فقالت إنك لمصدق فلما ولت قال أبو بكر مارأتك قال لا مازال ملك يسترني حتى ولت ثم قال البزار لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد عن أبي بكر رضي الله عنه وقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى ( في جيدها حبل من مسد ) أي في عنقها حبل من نار جهنم ترفع به إلى شفيرها ثم ترمى إلى أسفلها ثم كذلك دائما قال أبو الخطاب بن دحية في كتابه التنوير وقد روى ذلك وعبر بالمسد عن حبل الدلو كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب النبات كل مسد رشاء وأنشد في ذلك 

وبكرة ومحورا صرارا ومسدا من أبق مغارا 


قال والأبق القنب وقال آخر 
يامسد الخوص تعوذ مني إن تك لدنا لينا فإني 
ما شئت من أشمط مقسئن 


قال العلماء وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة فإنه منذ نزل قوله تعالى ( سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد ) فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان لم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما لا باطنا ولا ظاهرا لا مسرا ولا معلنا فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة الباطنة على النبوة الظاهرة